Abdullah Al-Salloum عبدالله السلوم عبدالله السلوم
مضاوي العبدالعزيز القاضي • عبدالله السلوم
   الرئيسية
   السيرة الذاتية
   أدوات محاسبية
   مؤلفات
   المقالات
   مقاطع الفيديو
   التواصل الإجتماعي
 الخدمات الاستشارية
مضاوي العبدالعزيز القاضي
هذا مقال كتبته في ٢٠٠٨/١/١٠ في موقع أسرتي الكريمة، ومن حبي له حرصت أن أضعه من ضمن مقالاتي في هذا المكتبة المتواضعة.

مضاوي العبدالعزيز القاضي، زوجة حمد الصالح العليان. جدة ما بعدها جدة. اول أيام شهر رمضان المبارك تنطق بتلك الكلمات "تكاشح يا عم رمضان، بقى عشر وعشر وثمان، بكرة واليوم اخر النهار". تتقبل التهاني والتبريكات من المتصلين في الكويت والمملكة بمناسبة الشهر الفضيل، "مباركٍ الشهر مبارك". وتصحينا من اجل سحور العيش الابيض مع كأس من اللبن وقليل من التمر. وتكتسح شوربة العدس بالخضروات مائدة فطورها، من التشريبة والمطازيز والمكبوس والسلطة الاعتيادية. وفي العيد تردد "نعوده وتعودونه على زود عمل صالح".

تجمعنا خلال الشتاء، لمائدة "الحنيني" على الفحم، نشرب اللبن و ونشاهد التلفاز بما به من أخبار او الحرم المكي لصلاة العشاء على قناة MBC في تلك الايام. وان ضحكنا قالت "وش يقول تفؤ؟". الجلسة الجميلة المضحكة المليئة بالاحداث، قليل وتطلب من اقرب شخص لها بالجلسة "عبّط رجلي تفؤ!" لتجد الجميع يقوم بتدليك رجليها.

تعشق العطف على بناتها العاملات بالمنزل "الشغالات"، وتأتي بهن كل ما تأتي به لنا من ملابس، وعيادي. وإن طلبنا من المطعم من مأكولات سريعة فعلينا الطلب لهن. كان هناك شغالة تسمى "بنتا" وهي سيلانية الاصل. عاشت لفترة طويلة مع جدتي. كنا ننطق اسمها "بنته" اي ابنته. ولكن جدتي كانت تنطق اسمها بشكل مختلف وهو "بنته" باللهجة القصيمية، اي "بنتُه" او "بنتوه". كلما نكبر نفهم بشكل افضل لماذا كانت جدتي تناديها بهذا الاسم. اجر وعافية يا "بنتا".

كانت تجلس بغرفة المعيشة على الارض وتضع سلاّت المطازيز على الارض كذلك. تجلس وتطزز المطازيز بأصابعها (اصبع الشهادة والذي بجانبه) بيديها الاثنتين. الا ان اتينا بها بآلة حديدية للتطزيز، توضع عليها العجينة، ويضغط عليها بالآلة فتصبح دائرية الشكل مثل رغيف الخبز الصغير بسهولة، وتوضع بالسلة. كانت الضغطة الواحدة كافية جدا لعجل العجينة دائرية، ولكن رحمها الله كانت تضغط ثلاث مرات، ولم تقتنع بالضغطة الواحدة.

بعد التحرير، استمرت حياتي معها والوالدة وأختي الصغرى في الرياض. منزل كبير لنا نحن الأربعة. يقتصر يومي لمدة ثلاث سنوات على المدرسة والمنزل، والاستراحة مع ابناء خالي صالح القاضي "بو أحمد" في عطلة نهاية الأسبوع. وفي ايام الاسبوع، اقرأ الكتب على رجل جدتي وهي تشاهد الحرم المكي وتدعي لنا بالتوفيق بالدراسة.

بعد فوات الثلاث سنوات، والتي كانت الاعياد بالرياض جميلة ذات طابع جديد على اهلها بسبب اختلافها عندما كانت جدتي تنظم الولائم بالعيد، والتي كان يبدأ العيد في المنزل من بعد صلاة العيد الى صلاة العشاء. عند اخر عيد في هذه الثلاث سنوات، استنكر الاهل رجوع ام صالح الى الكويت لبيتها وابناءها وبناتها. وردد الجميع "العيد هذا اخر عيد؟!"، عمة الجميع، محبوبة، والدة للجميع.

حكيمة بقراراتها، تعلم ان كان من امامها يكذب، وان علمت بكذبه تقول "اترك عنك الهرج الفارغ" او "تهك علي؟". هي بركة للمنزل، يعشقها الجميع، تجمع الكل يوما اسبوعيا، الخميس، من الصباح "الافطار" الى "العشاء"، جميع النساء، مع اولادهن وبناتهن، الا ان يصبح المنزل "مولا" مليء بالاقارب. فعلا انها بركة بالمنزل. "الي يبينا الله يحييه، والي ما يبينا بعد الله يحييه" كلمة ترددها مرارا، ويمتلىء المنزل!

توفيت والدتي 1994، وربتني هذه الامرأة العجوز؟ تصحيني في العاشرة والنصف يوم الجمعة في الشتاء البارد لأستحم. واخرج لأراها تضع ثيابي على المدفئة لالبسها ولا اشعر بالبرد، تقطر عيني عندما ارى تلك الحنية، يالها من أم ويالها من جدة.

كانت تصحيني لصلاة الفجر لاجلس على الفراش استوعب الامور، فتقول لي بصوت عال "قل لا اله الا الله" فإني اقولها بصوت خافت بحكم اني صحيت من النوم. فتصرخ علي "قل لا اله الا الله" فأقولها بصوت اعلى، فهي لا تسمع بشكل واضح، فتردد "قل لا اله الا الله"، الى ان اقولها وتسمعها. بعدها تقول "اتفل يمين ويسار" عندها يجب عليها ان "اتفل" على كتفي اليمين واليسار، وان لم افعل فلن تقف عن الطلب. بعدها، تطلب مني الوضوء للصلاة.

عندما كنت امرض، كانت تفرش لي فراش بغرفتها، وتدهنني يوميا وتنام بجانبي ويدها على رأسي. تقرأ علي القرآن بالطريقة المعتادة، ولكن هناك شي يختلف. عند قرائتها للقرآن كانت تقف بين الآيات وتتفل او تنفخ علي كما تعلمون. ولكن تفلها او نفخها كان بطيئا جدا لدرجة اني اشعر براحة عند نفخها. رحمك الله!

تصحينا من النوم للمدرسة وتتابع ملابسنا وتقول "هــهــا انهجوا"، وتحرص على وضع حبيبات القمح "كوفكس" كما تقول، بيدها على بادية يغمرها الحليب الساخن لنأكلها وتخرجنا لنذهب للمدرسة. زوّجت اختى، وحضرت تخريجي من الثانوية حيث كانت السعادة تغمرها ودمعها على الخد. ليتي كنت استطيع ان اريها تخرجي من الجامعة، والدراسات العليا.

بعد زواج اختي، يداعبها الجميع ويقول "ما بقى الا انتي يا ام صالح، مزيونة وترانا لقينالك رجل"، ترد بسخرية وتقول "صحيح؟ ماهنا رجل بعد حمد!".

ومن احداثنا اليومية، عندما تتصل على غرفتي وتسألني "تعال اقعد معي، قاعدةٍ بريحاتي"، فأقوم بإطفاء الحاسب الالي واذهب لها فتقول "مدري وشجايك انت مع هالكمبوتر، مجابله اربع وعشرين ساعة" دون الياء قبل الواو. وان اتيت من المدرسة ومعي الشهادة سعيدا بها وبدرجات المواد، فتسألني "هاااه بشر" فأقول لها سعيدا "يمه، جبت اربع ألف، وثلاث باء"، فتقول "يعني ناجحٍ انشالله؟" فأقول لها "امتياااااز!!" فتقول لي ببساطة "حرز!". فيالها من كلمة تثلج صدري، ويالها من ابتسامة على شفتيها تريح قلبي!

عندما ثقل سمعها في اواخر التسعينيات، اتى خالي عبدالرحمن بسماعة توضع على الاذن لجدتي لتقوية سمعها، ولكنها كانت تكره تلك السماعة، فكنا نلعب انا وجدتي وعبدالعزيز محمد الرسام لعبة تافهة جدا، لكننا كنا نعشقها. كنا انا وعزيز نذهب خلف جدتي، وعلى كل واحد منا ان يقول "يما مضاوي!" ابتداء من صوت خافت وبتدريج للعالي، دور بدور، الى ان تقول جدتي "اوحيييك!" عندها يخسر، ويفوز الآخر.

وإن رأتني حزينا، تهمس قائلة "ما تبي إمن المطعم؟" فأرد بثقل طينة "امبلا" فتقول "اتصل اطلب من المطعم، واطلبلي بطاطس، وجب سنوني من الحمام" (سنوني: الاسنان التركيب) حيث انها تعشق بطاطس ماكدونالدز.

عند الغداء تأكل معنا، وعندما ننتهي فهي تكمل جلستها على طاولة الطعام تأكل حبوب البطيخ "حب الرقي" الى ان تسمع آذان العصر. بعدها تقوم للوضوء والصلاة والنوم لنصف ساعة الى بعد العصر لتراها تذهب لغرفة المعيشة وتشرب الشاي وتشاهد التلفاز. اما عن العشاء، فهو الفاكهة فقط كما كانت دائما تردد "الريوق، اكله لحالك، والغدى، اعزم عيالك، والعشا، عطه عدوك"، صدقت يا ام صالح!

عشقتها وهي تقرأ دفتر هواتفها الاحمر القديم، والازرق الجديد، والاخضر الأجدد، تقرأه بصعوبة متهجأة كل حرف من الاسم، لتتصل. عشقتها وهي تطلبني بإعادة كتابة جميع الأرقام بدفتر جديد. عشقتها وهي تطلبني كتابة "ام صالح العليان" على اوانيها الحديدية. عشقتها وهي تبتسم، عشقت لبسها، وقميصها الابيض. عشقت صلاتها وهي جالسة.

في عام 2000، ذهبت الى الامارات لدراسة اللغة الانجليزية في الجامعة الامريكية في الشارقة لمدة سنتان. كانت ايامها قد كبرت بالسن وبدأت تنسى الاحداث الحالية. وفي كل مرة اتصل، تسألني "وين انت فيه؟" فأرد "يمّه انا بدبي، ادرس!" فتقول "ايه، مدري وشفيني صايرةٍ انسى".

عند اتخاذها لقرار ما، وقرارها لا يعجبني، فإني اخفي مابي بحكم انها جدتي واحبها. ولكن، لا يخفى عليها شيء لان تقول لي وهي تبتسم "تسود الله ياخذ امانتي وتفتك من هالعجوز الى واقفةٍ في ذا (البلعوم)". يتقطع قلبي عندها وتمنيت ان املك الجرأة بطرح الدموع امامها لتعلم مدى حبي لها وامنيتي ليومي قبل يومها.

كلمة احببتها، عشقتها، ولن انساها يوما. وهي عندما تكون تكتم غيظا بسيطا بسببي، فإني اقوم بمداعبتها وأقول لها على الفور "يمه، ابي فلوس!" فترد بكل عفوية "تبي زقٍ يلطخ وجهك!" او "تبي زق!!!". يعلم الله بمدى حبي لهذه الكلمة، واعلم انها محبوبة لدى جميع ابناءها واحفادها. (إسمحولي على هذه الفقرة).

والكل يعلم بعصاها، والتي كنا نضرب بها وهي تقول "هـــهــــا" وتقلب عينيها، ونحن صغار. في يوم من الايام، عبدالوهاب الرسام، وحمد العبدالرحمن العليان، وانا، اتفقنا بغسيل المطبخ في بيت جدتي في عام 1989 وكان املنا بأن نحصل على هدايا من جدتي بعد غسيل المطبخ حال رجوعها للمنزل. الى اننا ضربنا بتلك العصى وقيلت كلمة "هـــهــــا" حوالي 20 مرة. بكي الجميع دون استثناء! حصلت حادثة الضرب كذلك عندما قمنا بفتح جميع زجاجات البيبسي بالسحارة من اجل الحصول على "المغاطي" من اجل جوائز بيبسي. وايضا "هـــهـــا" وبكي الجميع دون استثناء.

تعلم بالاصول، وتاريخ الاسر، وتمنيت ان اكون قد دونت عشر ما قالته من تاريخ ومواعظ وحكم. ام تقرأ القرآن كاملا دون اجتيازها محو الامية.

بكيت على امي دما، ولكني بكيت على جدتي دماء! رحمة الله عليك يا جدتي ويا امي، واسكنكن فسيح جناته.
نقدك يساهم في تعزيز ما نقدمه! شاركنا برأيك، وامل علينا نصيحتك، من خلال صراحة.
لمزيد من المقالات قم بالإختيار من هذه القائمة.
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2017