مركزية التشريع.. ربّ كلفة مجدية
عبدالله بن سالم العبدالله السلوم
نشرت في 2024/05/15 و تم طلب نسخة الطباعة في 2024/06/15
نشر في [القبس]

يتردد على مسامعنا: «ربّ ضارة نافعة».. ويبقى الاستفهام عالقاً بين ما تعرفه فئات على كونه ضررا من عدمه، وفيما إذا قد مُكنت تلك الفئات أو توهمت التمكين، فانتفعت على حساب «انحدار» أوشك أن يأخذنا إلى مرحلة «انهيار». إن كان كذلك، فلهم ما يشاؤون بفهمه وتأويله، ولنا حق الإيمان بأن لكل إصلاح كلفة مشروطة الغاية بوجود إستراتيجيات تحدد جدواها من عدمه. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فوجب القول: «ربّ كلفة مجدية».

اليوم، وفي مرحلة تشهد حضور المتطلب الأساسي -مركزية التشريع- لإصلاح هيكل اقتصاد الدولة برؤية اقتصادية واعدة، فلا بد من الإقرار بانتفاء الجدوى لغياب إدراك الحقيقة وراء تعاقب الإخفاقات، كوننا نتعايش مع الخلل المتراكم من تكرار ما يُعرف بآليات «الإصلاح السريع» منذ نشأنا، والتي غالباً ما تأتي كرد فعل مباشر، جهلًا بجدواها في القضاء على «مكمن الخلل في اقتصاد الدولة».

ولا شك في أن تلك الآليات لها منافع على «المالية العامة للدولة» لا «اقتصادها»، ولكن بشكل مؤقت، ما لم يتم إقرانها بتزامن حازم وفعال مع آليات تأخذ بالصورة الكبرى لـ«اقتصاد الدولة الكلي» المتمثل بنموذجه الذي دام أكثر من نصف قرن. آليات، نسميها آليات «إصلاح النموذج الاقتصادي»، معنية بنقل اقتصاد الدولة -بقطاعيه العام والخاص- من اقتصاد قائم على إيرادات الصادرات النفطية -ريعي ومستهلك لموارد الدولة الطبيعية- إلى اقتصاد قائم بذاته، منتج ومستدام.

بذلك، وعوضاً عن أن تكون آليات «الإصلاح السريع» ممولاً «مؤقتاً» للميزانية العامة للدولة، وجب أن تكون أداة لتمويل آليات «إصلاح النموذج الاقتصادي»، المعنية بالتوسع الاقتصادي الذي سيصب بالنفع على المالية العامة للدولة، ولكن بشكل «دائم»، على أن تكون آليات العمل في تحقيق ذلك محددة وفي زمن محدد، وقائمة على أهداف إستراتيجية مجدية في تحقيق رؤية واعدة، أملاً في البدء بتطبيقها قبيل دخول الاقتصاد الوطني في مرحلة «اللاعودة».

مكمن الخلل

بات جلياً للعيان تطرق الأقطاب الاقتصادية للخطر الاقتصادي فقط متى ما انخفض سعر برميل النفط عن سعر التعادل بالميزانية، لانخفاض الإيرادات النفطية التي تشكِّل قرابة 90% من إجمالي الإيرادات عن إجمالي المصروفات، والتي هي «بارتفاع مستمر على نمط أسي» سنوياً نتيجة التزام الحكومة الدستوري بتوفير مقومات الحياة للمواطن.

ومن هنا، نجد أن رئاسة مجلس الوزراء تقف أمام معضلتين أساسيتين، تنقضيان بـ:

1 - ارتفاع معدل الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات، متمثلاً بارتفاع قيمة تلك الإيرادات لا بانخفاض نظيرتها النفطية.

2 - انخفاض معدل ارتفاع قيمة عبء الالتزام الدستوري بتوفير مقومات الحياة للمواطن، أي من خلال انخفاض معدل ارتفاع بند الرواتب والدعوم.

وهنا قد تتسبب بعض الآليات المحققة لانقضاء هاتين المعضلتين «مؤقتاً» على المدى القصير بتشوه الانقضاء «الدائم» على المدى البعيد في حال بعدها عن إصلاحات تتوافق مع مكمن الخلل الحقيقي في اقتصاد الدولة. فتلك الآليات سترفع الإيرادات غير النفطية، وسيكون مصدرها الأساسي تلك الإيرادات النفطية التي مرت من خلال آليات توزيع الثروة، مثل: رواتب موظفي الدولة، ودعومات المواطنين، وممارسات ومناقصات القطاع الخاص؛ أعيد توزيعها كأرباح ورواتب الموظفين، من مواطنين توجهوا للاستهلاك، أو وافدين قاموا بتحويل الجزء الأكبر من حصصهم للخارج.

إذن فالخلل الحقيقي في اقتصاد الدولة معني بنموذجه، ويكمن في:

1 - استمرار الاقتصاد الكويتي لأن يكون اقتصاداً «منغلقاً»، قائماً على إيرادات الصادرات النفطية. والخلل الأكبر هو اعتماد حلول تكون بها الإيرادات النفطية هي الممول لتلك الإيرادات غير النفطية بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال الآليات سالفة الذكر.

2 - استمرار انعدام تحفيز القطاع الخاص ليكون سوقاً مفتوحة، يُعنى بالإسهام الفعلي في معادلة الناتج المحلي الإجمالي من خلال عامل «ناتج الصادرات» وعامل «الاستثمار»، لا من خلال عامل «الاستهلاك» وعامل «الصرف الحكومي» كما هو الحال منذ أكثر من نصف قرن.

التوصيات الاقتصادية

إنه وبالاقتران مع آليات «الإصلاح السريع»، ولتحقيق الغاية المرجوة من تحسين وضع المالية العامة للدولة على المدى الطويل لا القصير وحسب، ولتعزيز الاقتصاد الكويتي ليكون اقتصاداً منتجاً ومستداماً، نجيء بهذه التوصيات إسناداً للتوجه الحكومي في تمكين جدوى الإصلاح الاقتصادي:

1 - أن تكون التشريعات المعنية بآليات «الإصلاح السريع» ممولاً ومحفزاً لآليات «إصلاح النموذج الاقتصادي» فقط، دون دعم الميزانية العامة للدولة على حساب تطبيق آليات «إصلاح النموذج الاقتصادي».

2 - العمل على تشريع مرسوم قانون إنشاء «هيئة تعزيز ناتج الصادرات غير النفطية في القطاع الخاص»، كهيئة قائمة على إيراداتها الضريبية من القطاع الخاص الواجب إسهامه في استمرار الاقتصاد الصحي لضمان استمرار كيانيه الخاص والعام. على أن تكون الإيرادات ممولاً لتحفيز دور القطاع الخاص في عامل «ناتج الصادرات» وعامل «الاستثمار»، ليقنن من عامل «الاستهلاك» وعامل «الصرف الحكومي» في معادلة الناتج المحلي الإجمالي.

3 - أن تمتاز التشريعات في تخصيص تمويلها للإيرادات غير النفطية دون ارتباطها البتة مع الإيرادات النفطية، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، على أن يكون الممول هو توسع القطاع الخاص نتيجة لتوسع دوره في عامل «ناتج الصادرات» وعامل «الاستثمار» في معادلة الناتج المحلي الإجمالي.

4 - أن تشترط التشريعات في تحقيق انخفاض البطالة وانخفاض عبء بند الرواتب كنتيجة لا أداة لتوسع القطاع الخاص الذي كان وليد تحفيز عامل «ناتج الصادرات» وعامل «الاستثمار» في معادلة الناتج المحلي الإجمالي.

5 - تشكيل فريق معني بإعداد ورسم تفاصيل رؤية واعدة، بأهداف وإستراتيجيات مجدية قادرة على «إصلاح النموذج الاقتصادي»، والعمل على التشريعات اللازمة والهادفة لتوسعة الاقتصاد لا تقليصه، ونقل سوق العمل إلى سوق مفتوحة تأخذ في عين الاعتبار عامل «ناتج الصادرات» وعامل «الاستثمار» وحسب، فتنتج بضرائبها إيرادات غير نفطية لمصلحة الميزانية العامة للدولة، دون أدنى علاقة بالإيرادات النفطية.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً.
عبدالله بن سالم العبدالله السلوم

الموقع الإلكتروني: /abdullah.com.kw
البريد الإلكتروني: contact(at)abdullah.com.kw
مواقع التواصل الإجتماعي: alsalloumabdul