Abdullah Al-Salloum عبدالله السلوم عبدالله السلوم
الخطة المالية، إلى أين؟! • عبدالله السلوم
   الرئيسية
   السيرة الذاتية
مولفات
   كتب
   مقالات
   مقاطع فيديو
خدمات
   أدوات محاسبية
   أحداث ودورات وورش عمل
تواصل
   التواصل الإجتماعي
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2024
الخطة المالية، إلى أين؟!
إن تتابع تسرب بعض القرارات الحكومية الجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يبدو دائمًا كأمرٍ خارجٍ عن إرادة المسؤولين؛ بل أصبح أشبه بالآلية النفعية التي تكمل الصورة لهم لرسم الانطباع العام تجاه القرار الجديد، متيحةً للحكومة إعادة النظر فيه على مختلف الأصعدة. واليوم، نشهد تسريباتٍ لأبرز الملامح الخاصة بـ «الخطة المالية» لوزارة المالية، الهادفة لحل معضلة عجز الميزانية والموازنة المستمر لسنواتٍ عديدة. يأتي هذا المقال متجاهلًا الخوض في مدى صحة تسريبات تلك الخطة، وبهدفٍ واحدٍ يصبو إلى مساندة القيادة السياسية في قراراتها المستقبلية.

أولا — الرواتب والكوادر

لعل توحيد سلم الرواتب والأجور وإلغاء الكوادر برفع الراتب الأساسي للموظفين في القطاع الحكومي كان أبرز ما جاء في تلك الخطة، لاسيما تجاه المواطن البسيط. ولغمامة التسريبات، وباعتبار جميع المعطيات المتاحة، وبحكم أن الخطة جاءت لحل معضلتي العجز في الميزانية والموازنة، فخطوة مماثلة ينتج عنها أحد هذين الأمرين: (١) ثبات أو (٢) انخفاض إجمالي المصروفات في بند الرواتب.

ففي حال (١) الثبات، فهذا يعني ثبات المعروض النقدي الذي يدخل السوق المحلي، ولكنه في الوقت ذاته أُعيد توزيعه بشكل يقرب طبقات المجتمع. وذلك بسبب ارتفاع الملاءة المالية لمن هم دون المعدل المتوسط، وانخفاضها لمن هم أعلى من هذا المعدل. وتبعًا لذلك، فإن هذه الخطوة تسهم بشكل مباشر في رفع معدل التضخم بسبب ارتفاع عدد المواطنين بالقرب من المعدل المتوسط للملاءة المالية، بالرغم من ثبات المعروض النقدي.

وعلى الرغم من أن (١) الثبات قد يسهم في محاور العدالة الاجتماعية، إلا أن دوره في تعزيز الأهداف الرئيسية لاستراتيجية «الخطة المالية» يعد معدوما. فتطبيقه يتطلب مراعاة نسبة فائدة البنك المركزي من خلال تعزيز قيمة الدينار الكويتي لتثبيت معدل التضخم، على الرغم من ارتفاعه المتراكم. وعلى الرغم من وجود نية تعزيز قيمة العملة في هذه الخطة، إلا أننا نستبعد ارتباط الأمر بثبات إجمالي المصروفات في بند الرواتب.

أما في حال (٢) الانخفاض، فهذا يعني انخفاض المعروض النقدي الذي يدخل السوق المحلي، وعليه ينخفض معدل التضخم تباعا. ويأتي ذلك نتيجة انخفاض المعدل المتوسط للملاءة المالية، وتقارب طبقات المجتمع لذلك المعدل. فعلى الرغم من التأثير السلبي على ميزانية المواطن، وردود أفعاله السلبية، إلا أن هذه الخطوة أكثر جدوى من (١) في تحقيق الأهداف المرجوة من الخطة، إضافة إلى مساهمة الخطوة في محاور العدالة الاجتماعية.

لا شك في أن (٢) الانخفاض سيصنع انكماشا اقتصاديا في السوق المحلي نتيجة لشح السيولة المؤدي لانخفاض معدل التضخم. وتزامن تعزيز قيمة الدينار يزيد من معدل هذا الانكماش؛ مما سيحافظ نسبيا على رفاه المواطن مقارنة بحال ملاءته المالية قبل تطبيق الخطة.

ثانيا — تعزيز قيمة العملة وتنويع مصدر الدخل

جاءت نية رفع قيمة العملة ضمن الخطة المالية، وعلى الرغم من أنها تسهم بشكل مباشر في خفض حدة تأثر رفاه المواطن نتيجة للتعديلات في سلم الرواتب إلا أنها تؤثر سلبا على آليات تنويع مصادر الدخل. ولا شك في أن الأمر شائك بعض الشيء.

إن ارتفاع قيمة العملة يساعد بشكل محوري في تحقيق الأريحية للمجتمع المستهلك للواردات. فمع ارتفاع قيمة الدينار الكويتي، تنخفض قيمة السلعة الأجنبية مقابله. وعليه، يكون إجمالي تكلفة الواردات أقل مما كان عليه سابقا. ولكن، وفي الوقت ذاته، ترتفع قيمة الصادرات المباعة بالعملة المحلية، لاسيما صادرات الإنتاج التحويلي والتصنيع.

تضمنت «الخطة المالية» تحويل الاعتماد على مصدر دخل واحد إلى مصادر أخرى أهمها الضريبة على الشركات التحويلية وفتح المجال للمستثمر الأجنبي بشكل أوسع وفق شروط أهمها توظيف المواطنين ودفع الضرائب.

وتعزيز قيمة الدينار هنا سيؤثر بشكل مباشر في رفع كلفة التصدير. وعليه، فإنه وإضافة لقوانين التوطين لن يساهم إلا سلبا في استقطاب المستثمر الأجنبي!

ثالثا — الخصخصة والتوطين

لعل آخر أهم ما ذُكر في تلك «الخطة المالية» هو الخصخصة للقطاعات الحكومية باشتراط أن تكون شركات مساهمة مملوكة للمواطنين ولا توظف سوى المواطنين.

دون الخوض بتفاصيل آليات الاكتتاب والإدراج، فما حصل في اكتتاب شركة بورصة دليل على عدم كفاءة آليات الاكتتاب. فالمحسوبية طاغية وقادرة على تقنين الآليات لتخدم فئات ضد أخرى دون مراعاة المساواة لرؤوس الأموال. وما لتلك الأمور إلا أن تعزز نموذج الرأسمالية بأسس غير صحية، صانعة طبقتين تفتقران للتكافؤ مجتمعيًا.

أما فيما يتعلق بتوطين التوظيف، سواء بالشركات الأجنبية التي تم استقطابها، أو بالشركات المدرجة التي أخذت زمام أمور القطاع الحكومي عقب الخصخصة، فلا شك أن دورها هذا منوط بالسلبية العاجزة عن تعزيز الكفاءة الإنتاجية. فبآلية التوطين تقوم الحكومة بنقل مرض الترهل الوظيفي إلى القطاع الخاص، ضاربة به عرض الحائط؛ من أجل تخدير قضية توظيف المواطن التي وجب أن تحل نتيجة ازدهار اقتصادي تحكمه الإنتاجية، لا أن تكون وسيلةً له.

آخرا — الخاتمة

لم نأت بهذا التعقيب لإحباط أي خطوة جادة تحذوها وزارة المالية. فجهودها محل شكر ومحاولاتها لحل القضايا العالقة مقدرة. لكن، ما نرغب الإشارة إليه هنا هو افتقار تلك الخطة لمفهوم التكاملية. فكل آلية في الخطة تتعارض مع الآلية الأخرى، وتطبيق آلية بمعزل عن أخرى يزيد القضايا عوديا معززة تمحور المشكلة المعقدة التي نعاني من تبعاتها اليوم.

إن وزارة المالية لم ولن تقدر على إلغاء عجز الميزانية وحدها. فدورها في معادلة الإيرادات والمصروفات محدود بعوامل لا تشكل الوزن الأكبر. وعليه، وجب على رئاسة مجلس الوزراء تكثيف الجهود لإعادة موازين عوامل المعادلة بخطة شاملة تتبعها جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات التابعة، وليس وزارة المالية منفردة.

والله ولي التوفيق.
لمزيد من المقالات قم بالإختيار من هذه القائمة.
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2024