Abdullah Al-Salloum عبدالله السلوم عبدالله السلوم
«سهل» والأتمتة الكبرى: سادساً — المحور الختامي: التحدّيات المفهوميّة • عبدالله السلوم
   الرئيسية
   السيرة الذاتية
مولفات
   كتب
   مقالات
   مقاطع فيديو
خدمات
   أدوات محاسبية
   أحداث ودورات وورش عمل
تواصل
   التواصل الإجتماعي
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2026
قراءةٌ في معنى الدولة حين تُؤتمَت: من رقمنة الإجراءات إلى إعادة تعريف السلطة والخدمة والمسؤولية؛ حيث يُحسَم المسار لا بالأدوات، بل بالفهم.
اضغط هنا لتحميل السلسلة كاملة بصيغة PDF.

الجزء السابق • «سهل» والأتمتة الكبرى: خامساً — محور التحدّيات الاستخداميّة

بلغنا في هذا الجزء الأخير من السلسلة النقطة التي لا يعود بعدها الحديث عن تطبيقٍ أو منصّة أو بنيةٍ تقنية حديثاً كافياً بذاته. فبعد أن فُكِّكت العِلَل البنيويّة، وضُبط النبض التقني، ورُسِّخت الحوكمة، وتكشّفت التحدّيات الاستخداميّة في تماسّ الدولة مع مواطنيها، لم يبقَ إلا السؤال الذي يقف خلف كلّ هذه الطبقات: أيّ معنى نُعطيه للتحوّل الرقميّ ذاته؟ فالأزمة لم تكن يوماً أزمة أدوات، ولا أزمة كفاءات، بل أزمة تصوّر: ماذا تعني الدولة حين تعمل رقميًا؟ وما الذي يتغيّر حقًّا حين تُؤتمَت السلطة؟ وهل الرقمنة تسريعٌ لما كان، أم إعادة صياغةٍ لما ينبغي أن يكون؟

المحور المفهوميّ هو أخطر محاور السلسلة؛ لأنه لا يتعامل مع ما نراه على الشاشة، بل مع ما نُضمِره في العقل المؤسسيّ. وهو المحور الذي إن اعتلّ، أفرغ كلّ ما سبقه من معناه، وإن استقام، جعل من «سهل» وأمثاله بواباتٍ لتحوّلٍ أعمق من مجرّد تحسين الخدمة.

اختلاط مفهوم «الدولة» بمفهوم «المنصّة»

أوّل التحدّيات المفهوميّة، وأشدّها شيوعًا، هو اختزال الدولة في واجهتها الرقمية. فكثير من الخطاب العام —وأحيانًا المؤسسي— يتعامل مع «سهل» كما لو كان الدولة ذاتها: يُنسَب إليه التعطّل، ويُحمَّل مسؤولية التأخير، ويُطالَب بما لا تملكه أيّ بوابةٍ مهما بلغت. وهذا الاختزال، وإن بدا بريئًا، يخلق انزياحًا خطيرًا في الوعي: إذ يُختَصر كيانٌ سياديّ مركّب في تطبيق، وتُنسى البنية المؤسسية التي تقف خلفه، بقوانينها، ولوائحها، وثقافتها، وتوازناتها.

الدولة الرقمية ليست تطبيقًا، بل نظام حكم يعمل بلغةٍ مختلفة. والمنصّة ليست سوى نافذة تُظهر ما تسمح به هذه اللغة من انسجام أو اضطراب. والحلّ المفهومي هنا يبدأ بإعادة تثبيت هذا الفصل في الوعي العام والرسمي معًا: (1) «سهل» لا يُنشئ الحقيقة، بل يعرضها. (2) لا يُقرّر المسار، بل يُنفّذه. (3) ولا يملك سلطة الإصلاح البنيوي، بل يكشف مواضع الحاجة إليه. ومن هنا، فإن الخطاب المصاحب للتحوّل الرقمي يجب أن يُعاد ضبطه ليُفهم الناس أن نجاح المنصّة مرهون بنجاح ما وراءها، وأن أيّ تطوير حقيقي لا يُطالَب به التطبيق، بل تُطالَب به الدولة ذاتها في قوانينها ومساراتها وتعريفاتها.

الرقمنة بوصفها «تسريعًا» لا «تحوّلًا»

التحدّي المفهومي الثاني يتمثّل في النظر إلى الرقمنة بوصفها مجرّد تسريع للإجراءات القائمة، لا إعادة تفكيرٍ فيها. هذا التصوّر يجعل الدولة الرقمية نسخةً أسرع من الدولة الورقية، لا دولةً مختلفة في منطقها. فتُنقل الخطوات كما هي، وتُؤتمَت الموافقات كما هي، ويُعاد إنتاج التعقيد ذاته بزمنٍ أقصر، دون مساءلةٍ حقيقية: لماذا وُجدت هذه الخطوة أصلاً؟ وهل ما زالت مبرّرة في سياقٍ رقميّ؟

لقد بيّنت هذه السلسلة —في محاورها البنيويّة والتقنيّة— أن الأتمتة الحقيقية لا تبدأ من «كيف نُنجز؟» بل من «هل ينبغي أن نُنجز بهذه الطريقة أصلاً؟». فالدولة الذكية لا تُسرِّع الطوابير، بل تُلغي الحاجة إليها؛ ولا تُحسِّن النماذج، بل تُقلِّلها؛ ولا تُسرِّع القرار، بل تُعيد تعريف شروط اتخاذه. والحلّ هنا مفهوميّ قبل أن يكون إجرائيًّا: أن يُعاد تعريف التحوّل الرقمي في السياسات العامة بوصفه مشروع إعادة هندسةٍ شاملة للوظيفة العامة، لا مشروع تقنية. وأن تُربط أيّ رقمنةٍ لخدمة بمراجعةٍ إلزامية لمنطقها القانوني والإداري، بحيث لا تُرقمَن خدمةٌ إلا بعد أن تُسأل: هل هذه هي أبسط صورةٍ عادلةٍ لها؟ وهل تخدم الغاية التي وُجدت من أجلها؟

غياب مفهوم «الخدمة بوصفها حقًّا»

من التحدّيات المفهوميّة العميقة أن كثيرًا من الخدمات الحكومية ما زالت تُدار —ذهنيًّا— بوصفها «منحًا إدارية» لا «حقوقًا مقرّرة». هذا التصوّر ينعكس مباشرةً على تصميم الخدمة الرقمية: مساراتٌ طويلة لإثبات الأهلية، افتراضٌ مسبق بعدم الاستحقاق، كثافة في الطلبات الاحترازية، وتوقّفٌ تلقائي عند أيّ نقصٍ شكلي. الدولة الذكية، في أصل فكرتها، تقوم على قلب هذا المنطق: الخدمة حقّ، والمنع استثناء؛ والأصل في المواطن والمقيم الاستحقاق، لا الاشتباه.

وحين لا يُحسم هذا المفهوم، تبقى الأتمتة محصورة في تحسين الشكل، دون أن تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة ومن تخدمهم. أما الحلّ، فيبدأ بإعادة تعريف الخدمات الأساسية —تشريعيًّا وتنظيميًّا— بوصفها حقوقًا رقمية قابلة للاستدعاء، لا طلباتٍ إدارية قابلة للرفض. ثم يُترجَم هذا التعريف في «البروتوكول العام للحكومة الذكية» إلى منطق تشغيل: (1) أتمتة الاستحقاق متى تحقّقت شروطه. (2) تقليص نقاط التدخّل البشري إلى مواضع الاستثناء فقط. (3) وجعل عبء الإثبات —قدر الإمكان— على الدولة، لا على المستفيد.

اختلاط مفهوم «السيطرة» بمفهوم «الحوكمة»

تواجه كثير من المؤسسات صعوبةً مفهوميّة في التمييز بين السيطرة والحوكمة. فحين يُطرح بروتوكولٌ موحّد، أو معيارٌ وطنيّ، أو مرآة أداء مركزية، يُفسَّر ذلك أحيانًا بوصفه انتقاصًا من استقلالية الجهة، أو تدخّلًا في صلاحياتها. وهذا الفهم يُنتِج مقاومةً صامتة تُفرغ المعايير من مضمونها عبر الاستثناءات.

غير أن الدولة الرقمية لا تقوم على مركزية السيطرة، بل على مركزية القاعدة. فالقاعدة الموحّدة لا تُلغِي استقلال الجهات في التنفيذ، بل تحميه من الفوضى والتضارب. والحوكمة ليست نزعًا للصلاحيات، بل ضبطًا لها ضمن إطارٍ وطنيّ يُساوي بين الجميع. والحلّ المفهومي هنا يتطلّب خطابًا مؤسسيًّا واضحًا: أن البروتوكول ليس أداة تحكّم، بل عقد ثقة؛ وأن مرآة الأداء ليست أداة تشهير، بل أداة إصلاح؛ وأن الامتثال ليس خضوعًا، بل شرطُ شراكةٍ داخل منظومة واحدة. متى ما استقرّ هذا الفهم، تحوّلت الحوكمة من عبءٍ تنظيمي إلى ضمانةٍ مؤسسية، وتحوّل الامتثال من مقاومةٍ صامتة إلى ممارسةٍ مهنية واعية.

الخلط بين «التحيّز التقني» و«الحياد المؤسسي»

من أخطر التحدّيات المفهوميّة الاعتقاد بأن الأنظمة الرقمية محايدة بطبيعتها. فالخوارزمية لا تُنشئ العدل من تلقاء نفسها، بل تُعيد إنتاج الافتراضات التي بُنيت عليها. وإذا صُمِّمت الخدمة على افتراضٍ خاطئ، فإن الأتمتة ستُعمِّم هذا الخطأ بسرعةٍ غير مسبوقة. ولهذا، فإن الدولة الذكية لا يجوز أن تُفوِّض قيمها إلى سطور برمجية دون رقابة مفهومية. بل يجب أن تُعامل الأتمتة بوصفها أداة سلطة، لا أداة تقنية فحسب. وكل أداة سلطة يجب أن تخضع لمساءلة: من صمّمها؟ وبأيّ افتراضات؟ ولمصلحة من تعمل حين تتعارض الحالات؟

الحلّ هنا يكمّل ما طُرح في المحور الحوكمي: إخضاع منطق الأتمتة لمراجعةٍ قانونية وأخلاقية دورية، وربط أيّ قرارٍ مؤتمت بحقّ الطعن والتفسير، وعدم ترك الخوارزميات تعمل في الظلّ دون إطار مساءلة واضح. فالدولة الرقمية العادلة لا تُخفي قرارها خلف الكود، بل تُظهِر منطقه وتتحمّل مسؤوليته.

غياب التصوّر طويل المدى للدولة المؤتمتة

أخيرًا، يبرز تحدٍّ مفهوميّ يتمثّل في التعامل مع التحوّل الرقمي كمشروعٍ مرحليّ، لا كمسارٍ طويل الأمد لإعادة تشكيل الدولة. فتُطلَق المبادرات دون خريطةٍ واضحة لما بعد خمس أو عشر سنوات: كيف ستتغيّر علاقة التشريع بالأتمتة؟ كيف سيُعاد تعريف التفويض الإداري؟ وما دور الإنسان في دولةٍ تتّجه إلى التشغيل الذاتي للخدمات؟

الدولة التي لا تُفكِّر في هذه الأسئلة مبكرًا، ستجد نفسها بعد سنوات أمام فجوةٍ بين ما تستطيع التقنية فعله، وما يسمح به القانون، أو ما تحتمله الثقافة المؤسسية. أما الحلّ، فيكمن في إدراج «الرؤية المفهوميّة للدولة الرقمية» ضمن وثائق التخطيط الوطني، لا بوصفها ملحقًا تقنيًا، بل بوصفها تصوّرًا سياسيًّا وإداريًّا لكيف ستعمل الدولة حين تصبح معظم قراراتها قابلة للأتمتة.

ختام السلسلة.. إسنادٌ معرفيٌّ لمشروع الدولة الحديثة

مع هذا الجزء السادس، تُغلق سلسلة «سهل والأتمتة الكبرى» دائرتها؛ لا لتُعلن اكتمال التحوّل، بل لتضع له إطارًا فكريًّا واضحًا يقيه من الانحراف. فقد حاولت هذه السلسلة —منذ مدخلها الأول— أن تنقل النقاش من مستوى التطبيق إلى مستوى الدولة، ومن تحسين الواجهة إلى إعادة هندسة المعنى، ومن رقمنة الإجراءات إلى مساءلة السلطة ذاتها حين تعمل بلغة الآلة.
إن التحوّل الرقمي، إذا استُكمِل على نحوٍ جذريّ، لا يُنتج دولةً أسرع فحسب، بل دولةً أوضح تشريعًا، وأشدّ تفعيلًا للقانون، وأقلّ قابليةً للاجتهاد الفردي. فحين تُحوَّل القاعدة القانونية إلى منطقٍ تشغيليّ واضح، وتُربط الخدمة بالاستحقاق لا بالمزاج، وتُدار الإجراءات بالأحداث لا بالاستثناءات، يصبح القانون أكثر حضورًا في حياة الناس، لا أقلّ؛ وتصبح الدولة أقدر على إنفاذه بعدلٍ واتساق.

وفي هذا السياق، تأتي هذه السلسلة بوصفها إسنادًا معرفيًّا لهذا التوجّه: محاولةً لربط التحوّل الرقمي بمشروع الدولة الحديثة، حيث تُسخَّر التقنية لتعزيز سيادة القانون، لا للالتفاف عليه، ولتقليص الفجوة بين النصّ والتطبيق، لا لتوسيعها. فإن نجح هذا الربط، لم يعد «سهل» مجرّد بوابة خدمات، بل صار إحدى أدوات بناء دولةٍ تعمل بقواعدها، وتُحاسِب نفسها قبل أن تُحاسِب غيرها، وتُدير سلطتها بعقلٍ رقميٍّ رشيد.

فاللّهم أبرِم لهذه الأمّة أمرًا رشدًا..
بطاقة المقال (159) | لمزيد من المقالات قم بالإختيار من هذه القائمة.
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2026