Abdullah Al-Salloum عبدالله السلوم عبدالله السلوم
«سهل» والأتمتة الكبرى: رابعاً — محور التحدّيات الحوكميّة • عبدالله السلوم
   الرئيسية
   السيرة الذاتية
مولفات
   كتب
   مقالات
   مقاطع فيديو
خدمات
   أدوات محاسبية
   أحداث ودورات وورش عمل
تواصل
   التواصل الإجتماعي
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2026
قراءةٌ في سيادة التحوّل الرقمي: كيف تُحكَم الدولة حين تعمل رقميًا؟ السيادة البيانية، مرآة الأداء، ومركز القرار.. حيث تُحسَم الأتمتة أو تُفرَّغ من معناها.
اضغط هنا لتحميل السلسلة كاملة بصيغة PDF.

الجزء السابق • «سهل» والأتمتة الكبرى: ثالثاً — محور التحدّيات التقنيّة

حين بلغنا في هذه السلسلة تفكيك البنية الرقمية للدولة في جزئها الثاني، ثم ترجمة ذلك التفكيك إلى نبضٍ تشغيليٍّ في جزئها الثالث، لم يبقَ من مسار التحوّل الرقمي ما يمكن ردّه إلى نقص أدوات، أو ضعف منصّات، أو قصور ربط. فقد بات واضحًا أن الدولة —من حيث القدرة التقنية— تمتلك اليوم ما يؤهلها للبناء، وأن الإشكال لم يعد في سؤال «كيف تعمل الأنظمة؟»، بل في سؤالٍ أدقّ وأخطر: كيف تُحكَم الدولة حين تعمل رقميًا؟

وهنا، يبلغ التحوّل الرقمي أشدّ مراحله حساسية؛ إذ إن التقنية، متى نضجت ولم تُحكَم، لا تُنتج دولةً ذكية، بل دولةً أسرع في إعادة إنتاج اختلالاتها. فالأتمتة بلا حوكمة صارمة لا تُنهي الفوضى، بل تُسرّعها؛ ولا تُوحِّد الحقيقة، بل تُضاعف نسخها؛ ولا تُخفِّف العبء عن المواطن، بل تُحيله إلى نزاعٍ صامت بين أنظمةٍ لا مرجع لها ولا سلطة تضبطها.

ومن ثمّ، فإن هذا الجزء الرابع لا يتناول «سهل» بوصفه تطبيقًا، ولا التحوّل الرقمي بوصفه مشروع تقنية، بل يتناول الدولة ذاتها حين تتكلّم بلغة الآلة: من يملك الحقيقة؟ من يرى الأداء؟ من يحكم القاعدة؟ وكيف تتساوى الجهات أمامها؟ فهذه الأسئلة ليست إدارية ولا فنية، بل سيادية في أصلها، وحوكمية في مآلاتها.

تشتّت السيادة البيانية.. حين تتكاثر «الحقائق» داخل الدولة الواحدة

أولى التحدّيات الحوكميّة، وأخطرها أثرًا على الأتمتة والقرار، هي تشتّت السيادة البيانية داخل جهاز الدولة. فالإشكال —على دقّته— لا يكمن في ندرة البيانات، ولا في ضعف الوصول إليها، بل في غياب الإجابة الحاسمة عن سؤالٍ يبدو بسيطًا في لفظه، بالغ الخطورة في تبعاته: من يملك الحقيقة؟

في المشهد الراهن، تتعامل كل جهة حكومية مع بياناتها بوصفها أصولًا تشغيلية تخصّ نظامها، لا بوصفها مكوّنًا من «حقيقة وطنية واحدة» تُدار على مستوى الدولة. فتتعدّد مصادر البيان الواحد، وتختلف آليات تحديثه، وتتنازع الجهات على «الصيغة الأحدث» لا على «الصيغة السيادية». وبذلك، لا تعود الدولة قادرة على بناء قرارٍ مؤتمت، ولا خدمةٍ استباقية، ولا حتى مسارٍ خدميٍّ موحّد؛ لأن الأتمتة —في مضمونها— لا تعمل على الظنون ولا على الترجيحات، بل على حقائق لا تقبل التعدد ولا تحتمل التضارب.

وقد أشرنا في الأجزاء السابقة إلى مفهوم «جهة سيادة البيان»، وبيّنا أن الانتقال من «صورة المستند» إلى «بيان المستند» لا يكتمل ما لم تُحسم ملكية البيان سياديًا. غير أن هذه الفكرة، على أهميتها الهندسية، تظل ناقصة ما لم تُترجَم إلى سياسة حوكمية مُلزِمة، لا إلى اجتهاد تنظيمي ولا إلى توجيه تقني قابل للتأويل.

فالحلّ هنا لا يكون بتوحيد قواعد البيانات، ولا بإنشاء مستودعات مركزية ضخمة تُعيد إنتاج الإشكال بصيغة أعقد، بل بإرساء سياسة سيادة بيانات وطنية تُحدِّد —نصًّا لا لبس فيه— الجهة المالكة للحقيقة الأصلية لكل بيان، والجهة المخوّلة بتعديله، والجهات المصرّح لها باستهلاكه، وحدود هذا الاستهلاك وغايته، ومقتضيات التتبّع والمساءلة عند الانحراف. سياسةٌ لا تُترك لاجتهاد الوزارات، ولا تُفصَل عن «البروتوكول العام للحكومة الذكية»، بل تُدمَج فيه بوصفها بندًا حاكمًا لا يُستثنى منه ربط ولا أتمتة.

ويقتضي هذا الدمج إنشاء سجلٍّ وطنيٍّ لسيادة الأصول البيانية، لا بوصفه مخزنًا للبيانات، بل بوصفه خريطة سيادية للحقيقة: يبيّن لكل بيان تعريفه، وصيغته، ومالكه، ومستوى حساسيته، والجهات المخوّلة بالاطّلاع عليه، والغرض المشروع من استدعائه، وزمن صلاحيته. ومن دون هذا السجل، ستظل الدولة تعالج تعارض البيانات بعد وقوعه، لا تمنعه قبل أن يتكوّن.

وعلى المستوى التشغيلي، يتحوّل هذا التصوّر إلى نمط عمل مختلف جذريًا: فبدل أن تُطلب الوثيقة من المواطن، تُستدعى «الصفة» من مصدرها السيادي؛ وبدل أن تُنقل البيانات بين الأنظمة، تُستدعى عند الحاجة، بترخيصٍ دقيق، وبسجلٍّ قابل للتدقيق. وعندئذٍ فقط، تتحوّل البيانات من «ملفات محفوظة» إلى «وظائف وطنية»، ويغدو كل بيان —مهما بدا بسيطًا— جزءًا من نسيج سيادي تُدار به شؤون الدولة، لا مجرد خانة تُملأ في نموذجٍ إلكتروني.

غياب مرآة الأداء الوطني.. حين لا تستطيع الدولة أن ترى نفسها

ولا يقلّ عن تشتّت السيادة البيانية خطورةً غياب ما يمكن تسميته بـ«مرآة الأداء الوطني». فالدولة التي لا ترى أداءها لحظةً بلحظة، لا تستطيع أن تحكمه، ولا أن تُصلحه، ولا أن تُحاسب عليه. وما دام قياس الأداء في المنظومة الرقمية قائمًا على تقارير متفرّقة، أو مؤشرات محلية، أو قراءات متأخرة، فإن التحوّل الرقمي يظلّ مشروع تحسينٍ إداري، لا مشروع قيادةٍ مؤسسية.

لقد مكّن البناء التقني الذي عرضناه في الجزء الثالث من تتبّع الرحلات الخدمية، وبثّ الأحداث، وربط الحالات، وتسجيل الانتقالات، غير أن هذه القدرة —إن لم تُستثمر حوكمياً— تبقى قدرةً معطّلة. فالمسألة ليست في جمع البيانات، بل في من يراها، ومتى، وبأي سلطة، ولأي غاية.

إن غياب لوحة وطنية موحّدة تُظهر الزمن الفعلي لإنجاز الخدمات، ونقاط التعطّل، ومسؤوليات التأخير، يجعل المساءلة مستحيلة؛ إذ كيف تُحاسَب جهة على أداء لا يُقاس بمعيار وطني واحد؟ وكيف يُتّخذ قرار إصلاحي دون رؤيةٍ لحظية لما يجري في عمق المنظومة، لا على سطحها؟

والحلّ هنا لا يكون بإضافة تقارير، ولا بتكثيف الاجتماعات، بل بإنشاء مرآة أداء وطنية سيادية، تُغذّى تلقائيًا من أحداث «البروتوكول»، وتعرض صورة الدولة كما تعمل فعليًا، لا كما تُروى إداريًا. مرآةٌ لا تتبع جهة تشغيلية، ولا تُدار بعقلية العرض الإعلامي، بل تُربط مباشرةً بمركز القرار الأعلى، وتُستخدم أداةَ حكمٍ ومساءلة، لا أداةَ تزيين أو تبرير.

وتتأسس هذه المرآة على معايير إلزامية لقابلية الملاحظة، بحيث لا تُعتمد خدمة وطنية للنشر أو التوسّع ما لم تُثبت قابليتها للتتبّع من بدايتها إلى نهايتها، وفق معرّف وطني موحّد للمعاملة، ودلالات خطأ متّسقة، ومؤشرات زمنية لا تقبل التأويل. وعندما تُربط استمرارية أي خدمة رقمية، أو أتمتتها، أو ترقيتها، بمؤشرات أداء منشورة، يصبح التحسين ضرورةً مؤسسية لا خيارًا إداريًا. فالدولة الذكية لا تُدار بالانطباع، بل بالرؤية.

اختلاط مركز القرار.. من يحكم «الدستور الرقمي»؟

وإذا كانت السيادة البيانية ومرآة الأداء تمثّلان «ماذا يُحكَم»، فإن السؤال الأخطر يبقى: من يحكم؟ فمن يملك سلطة تعريف القاعدة الرقمية، وفرض الامتثال لها، وإدارة نسخها، وحسم التعارض عند وقوعه؟

في الواقع الراهن، يختلط مركز القرار بين جهات تشغيلية، وأخرى تقنية، وثالثة رقابية، دون أن يكون هناك صاحب سيادي واضح لـ«الدستور الرقمي». فتُفسَّر القواعد على نحوٍ متباين، وتُدار الاستثناءات بالاجتهاد، وتُقدَّم التقنية أحيانًا على الحوكمة، لا العكس. وهذا الخلط —وإن بدا تنظيميًا— يفرغ «البروتوكول العام للحكومة الذكية» من مضمونه السيادي، ويحوّله من قاعدة مُلزِمة إلى اتفاق أخلاقي قابل للتجاوز. وقد بيّنا في الجزء الثاني أن «البروتوكول» ليس دليلًا برمجيًا، بل إطارًا سياديًا، وأنه لا يستقيم إلا إذا امتلك جهةً تحكمه، لا جهةً تُديره فنيًا فقط. فالفرق شاسع بين من يكتب السطور البرمجية، ومن يملك حق فرض القاعدة التي تُكتَب بها.

ومن هنا، فإن الحلّ الحوكمي لا يكون بتقوية فرق التشغيل، ولا بتوسيع صلاحيات المنصّات، بل بإنشاء سلطة حوكمة رقمية سيادية مستقلة، لا تمارس اختصاصًا خدميًا، ولا تدخل في تنفيذ الخدمات، ولا تنافس الجهات، بل تُناط بها حصريًا مهام اعتماد «البروتوكول»، وإدارة نسخه، وفرض الامتثال، وحسم التعارض، وتعليق أو سحب أي ربط لا يلتزم بالقواعد. وتبعيتها يجب أن تكون مباشرةً لمركز القرار الأعلى في الدولة، لا لأي جهاز تنفيذي، حتى لا تتحوّل الحوكمة إلى طرفٍ في النزاع بدل أن تكون حكمًا فيه. فالدولة الرقمية لا تُدار بلجان تنسيقية، ولا تُحكَم بتوازنات ظرفية، بل بسلطة معيار تُدير النسخ، وتفرض التوافق، وتمنع الكسر المفاجئ، وتحمي الاتساق الوطني عبر الزمن.

تباين الثقافة التشغيلية.. حين لا تتساوى الجهات أمام القاعدة

ويبقى التحدّي الحوكمي الرابع، الذي لا يُحلّ بالتقنية ولا بالتشريع وحده: تباين الثقافة التشغيلية بين الجهات. فمهما بلغ نضج «البروتوكول»، ومهما اكتملت الأدوات، فإن الدولة لا تعمل بمنطقها الأعلى، بل بمنطق أضعف حلقة في التزامها. إن تفاوت الجاهزية، وتباين فهم الامتثال، ومقاومة التحوّل الضمنيّة، كلّها تُنتج استثناءات تُفجِّر المنظومة من داخلها.

والاستثناء غير المنضبط أخطر على الأتمتة من العطل الصريح؛ لأنه يُبقي الشكل قائمًا ويُفرِّغ المضمون. ومن ثمّ، فإن الثقافة التشغيلية ليست مسألة تدريب أو توعية، بل مسألة حوكمة امتثال. أي أن الامتثال لـ«البروتوكول» ولمؤشرات الأداء لا يكون خيارًا إداريًا، ولا يُعالَج بالنصح، بل يُربط مباشرةً بالتقييم القيادي، والاعتماد المؤسسي، والأولويات التمويلية.

فكما لا تُرخَّص جهةٌ ماليًا دون امتثالٍ للمحاسبة، لا ينبغي أن تُرخَّص رقميًا دون امتثالٍ للحوكمة الرقمية. ويقتضي ذلك تحويل الامتثال من حالة ثنائية (ممتثل/غير ممتثل) إلى مستويات نضج معلنة، تُظهر مدى التزام كل جهة بالمعايير، وتكشف الاستثناءات، وتمنع تحوّلها إلى قواعد موازية. وحين تتساوى الجهات أمام القاعدة، لا يعود التكامل عبئًا، ولا الأتمتة مخاطرة، بل يصبح الانضباط شرط البقاء داخل المنظومة، لا فضيلة إضافية.

الحوكمة.. حيث تُحسَم الأتمتة

يتّضح من هذا المحور أن التحدّيات الحوكميّة ليست تفصيلًا لاحقًا للتحوّل الرقمي، بل هي قلبه النابض. فلا سيادة رقمية بلا سيادة بيانات، ولا مساءلة بلا مرآة أداء، ولا أتمتة بلا مركز قرار، ولا تكامل بلا ثقافة امتثال. لقد بُنيت البنية، ونُظِّمت التقنية، ولم يبقَ إلا أن تُحكَم الدولة كما تعمل، لا كما كانت تعمل. فالدولة الذكية لا تُقاس بسرعة واجهتها، بل بصرامة قواعدها؛ ولا بنعومة تجربتها، بل بوضوح سيادتها؛ ولا بتقدّم أدواتها، بل بقدرتها على أن ترى نفسها، وتحاسب نفسها، وتفرض الانضباط على نفسها.

وفي الجزء القادم من هذه السلسلة، سنغادر سؤال «كيف تُحكَم الدولة رقميًا؟» إلى سؤالٍ مكمّل لا يقلّ خطرًا: كيف تُستَخدم هذه الدولة؟ وكيف ينعكس هذا البناء —إن استقام— على تجربة المواطن والمقيم، لا بوصفهم مستخدمين لتطبيق، بل شركاء في دولة تغيّر منطقها.

فاللّهم أبرِم لهذه الأمّة أمرًا رشدًا..

الجزء التالي • «سهل» والأتمتة الكبرى: خامساً — محور التحدّيات الاستخداميّة
بطاقة المقال (303) | لمزيد من المقالات قم بالإختيار من هذه القائمة.
حقوق النشر محفوظة | 2012 - 2026